الرئيسية | الدراسات والبحوث | بحث | آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي

بحث | آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بحث | آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي
        

 

تغييب البعد العقدي الرباني من العوامل التثقيفية من أسباب زيادة الحوادث.

 
قال بدر بن سالم بن حمدان العبري الواعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في بحث بعنوان (آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي) تعاني المجتمعات البشرية اليوم من حرب دامية، تتمثل في الحوادث المرورية المرعبة، فزادت معدلات التثقيف، وارتفع مستوى الدورات والإحصاءات، وأصدرت الكتب والمطويات، ومع ذلك لم يؤثر ذلك في وقف هذه الحرب المستعرة، بل الوفيات في ازدياد، فضلا عن الإصابات والخسائر البشرية والمادية.

وهنا نطرح هذا السؤال: لماذا لم تجد كل عوامل التثقيف - مع التشديد في العقوبات المالية - في التخفيف من هذا الموج المتلاطم من حوادث السير؟

والسبب في ذلك يعود إلى تغييب البعد العقدي الرباني من هذه العوامل التثقيفية، فأصبحت مادية بحتة لا روح فيها، لذلك تلقاها المجتمع، خاصة في العالم النامي، على أنها ثقافة عامة يحسن التقيد بها، فكان الالتزام بها من قبل فئة محدودة من المجتمع لا غير.

 

وإلى الحلقة الأخيرة من البحث:

الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب: ويُعرّف الراكب بأنّه كلّ شخص يوجد بالسيارة، أو يكون نازلا منها، أو صاعدا إليها، بخلاف السائق، وقد يكون من ضمن الركاب أطفال، أو من ذوي الاحتياجات الخاصّة.

والأصل في الراكب أن يعين السائق على تقيده بأنظمة السير، وأدبيات الطرق، فلا يقلقه أثناء القيادة، نحو رفع صوت، أو تشجيعه على السرعة والتهور، وأصل هذا قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
فإن كان معينا للسائق في إلحاق الضرر أو الأذى بغيره كان مشتركا معه في الضمان، وعليه التقيد بوسائل السلامة ولو كان راكبا كلبسه حزام الأمان مثلا، يقول أحمد الخليلي عن الذين يستفزون صاحبهم، أو يشجعونه ليزيد من سرعة السيارة، قال: (هؤلاء الذين يدفعون بمن يقود مركبتهم إلى التهور هم من شياطين الإنس، وقد يكون شيطان الإنس أضر على من يلابسه من شياطين الجن، فهؤلاء الذين يغرون بما فيه ضرر على صاحبهم وعلى أنفسهم، وعلى من حولهم من الركاب، ومن المشاة؛ إنما هم شياطين؛ لأنّهم يأمرون بالسوء والفحشاء، يتحملون من الوزر ما هم جديرون به، ويتحملون وزر الذي يطاوعهم على ما يدعونه إليه من الإثم، بل حتى لو لم يطاوعهم فإنهم بقصدهم أن يطاوعهم يتحملون من الوزر والله أعلم).

النظم المعاصرة

الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق: ويُعرّف المشاة بالأشخاص الذين يسيرون على الطريق مشيا على أقدامهم، ومن في حكمهم وفق ما تحدده اللائحة التنفيذية، وعبور المشاة مكان مخصص لمرور المشاة، ومخطط لهذا الغرض، في الشوارع والطرق، والذي يجب على السائق الوقوف قبله ليتمكن المشاة من السير عليه بأمان.

ولقد وضعت النظم المعاصرة طرقا خاصة للمشاة، وجسورا لعبورهم، وعلامات وإشارات خاصة بهم، لا يصح تجاوزها، والفقهاء الأوائل أيضا حدّدوا طرقا للمشاة، مع بيان حدها، يقول أبو العباس الفرسطائي النفوسي: وحريم الطريق هو نفسه لا غير على اختلاف صفاته، فأولها طريق الرجالة – أي المشاة -، وحريمه ثلاثة أذرع، وهذا يدل على الرقي الثقافي الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية قبل النظم المعاصرة بقرون بعيدة، وهنا نلاحظ أيضا أنّ الماشي أو الراجلة له حدّه الخاص لا يجوز تجاوزه، وإلا يتحمل المسؤولية الكاملة والناتجة عن تصرفه الأعمى.

الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق:

فللجالس على الطريق حقوق لا بدّ من مراعاتها، وإلا فالأصل ليس الطريق محلا للجلوس.
والأصل في الشريعة النهي عن الجلوس في الطريق لحديث: إياك والجلوس في الطرقات، وعلل سامي خضرا النهي لأنّ الواقف لا يستفيد منها إلا كثرة الكلام، وهدر الوقت، وإطالة النظر، وقساوة القلب، ولغو الحديث، والنهي في الحديث قد يصل إلى الحرمة إذا تحقق من الجلوس الأذى والضرر للمارة والركبان، هنا يجب منعهم من قبل المختصين، وهذا ما يحدث الآن في الطرقات داخل القرى السكنية، خاصة جلسات الليل، والتي يترتب عليها رفع الأصوات، وإيذاء النائمين، فضلا عن ترويع الآمنين، حيث يخافون على أبنائهم ونسائهم من مثل هذه الجلسات، فهذه يجب أن تُرفع وتمُنع، ويحرم شرعا الجلوس فيها إلا للنصح أو رفع الضرر.

ويجمل الجيطالي في قواعد الإسلام هذه الأدبيات للجالس بقوله: ولا تجلس على الطريق، وإن جلست فأدبه غض البصر، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وعون الضعيف، وإرشاد الضال، وردّ السلام، وإعطاء السائل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والارتياد لموضع البصاق، ولا تبصق في وجه القبلة، ولا عن يمينك، ولا عن يسارك، ولكن تحت قدمك اليسرى، وهذا لحكمتين: الأولى المبالغة في إخفائه حتى لا يزعج الآخرين بالنظر إليه، والآن يستغنى عنها باستخدام المناديل الورقية، أو التنحي بعيدا حتى يضعها في مكان لا يُرى، والحكمة الثانية سرعة ذهابها، فهي مع تحرك القدم تتشتت فتزول في وقت أسرع، وفي الروايات اقترن النهي عن البصاق في الطرق بالبصاق في المسجد، فكما أنّ المساجد بنيت للعبادة والاعتكاف؛ فالطرق أيضا جعلت للمشي، فالبصاق فيهما مؤذٍ للمسلمين، وهذا يؤيد ما قلناه سالفا أنّ عبادة المسلم لا تقتصر فقط في المساجد؛ بل هو عابد ذاكر الله تعالى حتى في الطرق والأسواق، ويُقاس على البصاق نظافة الطريق، وحفظه من الأذى، مع اختيار المكان المناسب للجلوس عرفا وقانونا.

ومن المسائل التي أوجبها الفقهاء على الجالسين في الطرق توفير الأمن للمارة مطلقا، واعتبروا إيذاءهم إيذاء لله تعالى، وهو من الكبائر الموبقة.

والفقهاء كذلك أجازوا للجهة المختصة منع الصبيان من اللعب في الطريق، إن كان لعبهم يشكل ضررا عليهم وعلى غيرهم من المارة المشاة والركبان، يقول السناسي صاحب نصاب الاحتساب: والصبيان الذين يلعبون بالجوز وغيره إن كانوا في الطريق يمنعهم – أي المحتسب – سواء أكانوا يلعبون بالقمار أوغيره؛ لأنّهم ظلموا الناس بشغل الطريق، والأصل أن يخصص لهم أماكن خاصة للعب كالملاعب والحدائق.

الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته: ومر بنا تعريف الطريق وأقسامه، ومن أدبياته يقول أبو حامد الغزالي: فمن المنكرات – أي في الشوارع – المعتادة فيها: وضع الأسطوانات، وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة، وغرس الأشجار، وإخراج الرواشن والأجنحة، ووضع الخشب، وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكرا إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق، واستضرار المارة، وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه، ويناظر هذا اليوم إيذاء الناس في الطرق بوضع المواد المعيقة للحركة فيها، أو الوقوف في منتصف الطريق، أو بجانبه مما يعيق الحركة.

وذكر أيضا: ربط الدواب على الطريق بحيث يضيّق الطريق، وينجس المجتازين، -وهو- منكر يجب المنع منه إلا بقدر النزول والركوب، وهذا لأنّ الشوارع مشتركة المنفعة، وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة، والمرعي هو الحاجة التي ترد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات، ويناظره اليوم الحافلات الكبيرة كحافلات نقل الطلاب أو المواد، فلا يصح لها أن تقف في الشوارع أو بجانبها إلا بقدر الحاجة لا غير، وإلا كان محرما، وصاحبها آثما.
وذكر منها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزّق ثياب الناس، فذلك منكر إن أمكن شدّها وضمها بحيث لا تمزّق، أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع، وإلا فلا منع إذ حاجة البلد تمسّ إلى ذلك، نعم لا تترك ملقاة إلا بقدر مدة النقل، ويماثله اليوم ناقلات مواد البناء مثلا، فلا بدّ أن يحكم شدّها، وإلا كانت ضارة للطريق، وأن تضع المواد في مكان لا يعيق المرور على الطريق والسير فيه.

وقد جمع أبو بكر أحمد الكندي المضار في الطرق ووجوب صرفها حيث قال في بيان الشرع: ويُمنع من الحدث في طريق المسلمين، تعديا فيما يؤذيهم، ويضرّ بالطريق، من بناء طين، أو حصى، أو يُكبس فيها ترابا، أو يحدث فيها حدثا، من حفر بئر، أو ساقية، أو نهر، أو ظفر، أو جندل، أو حضار، أو شيء يكون فيه أذى المسلمين، أو كنيف بجنب الطريق أو المسجد يؤذيهم، أو يعرش عليه عرشا، أو بناء سقف، أو غماء بطين، أو يحفر فيها ويطويها بحصى، أو بآجر، كلّ ذلك منكر على من فعله ، وأشار إلى جوانب حضارية مهمة في الطرق من خلال قوله: ولا يجوز له أن يجعلها دكاكين للبيع والشراء، ولا يتخذها مجالس ... وذلك عليه منكر وإثم من عمله، وضامن لما يحدث فيه، وقد جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم)، فالطرق كما أنها –كما سبق بيانه- ليست مجالس يجلس فيها، كذلك هي ليست محلا للبيع والشراء، لما يحدث عنه من ضرر واضح وبين.

ما يضرّ بالطريق محرما

واعتبر الفقهاء كلّ ما يضرّ بالطريق محرما ولو كان تافها في نظر الناس، وضربوا لذلك مثلا قذى العين، وعلّق على هذا السالمي بقوله: (المراد بذلك المبالغة في صرف الأذى عن الطريق، ومن المعلوم أنّ المبالغة لا تراد حقيقتها، ويكون المعنى على هذا أنّ أذى الطريق حرام ولو كان قليلا )

ومما سبق نخلص تحريم الفقهاء لإحداث أيّ ضرر بالطريق ولو كان فيه منفعة، إلا أنّ المصلحة العامة مقدمة على مصلحة البعض، ونحو هذا إحداث فلج أو ساقية في الطريق مع نفعها، يقول عيسى الحارثي: (شدد العلماء في إحداث ساقية في الطريق، ومنهم من يرخص إذا أمن المار عليها من الضرر لعمقها وتسقيفها، والسلامة في ترك ذلك، والله أعلم ).
ومنها الفسل في قارعة الطريق، قال السالمي: (هذا منكر، فعلى القادر زواله وبيعه حرام، والله أعلم)

إلا أنّهم أجازوا الزراعة في جانبي الطريق للتجمل والاستظلال ونحوه، بشرطين: الأول أن لا يترتب على الطريق ومستخدميه ضرر بسببها، وإلا أزيلت، قال صاحب المصنف نقلا عن أبي الحواري: تُزرع الطريق الجائز، فما دخل منها في الثمانية أذرع أزيل، وإن دخلت كلّها أزيلت، والشرط الثاني: عدم الإسراف، قال الشيرازي: يستحب بعد الاهتمام بنظافة الطريق تجميل الشوارع والأرصفة وما أشبه ذلك بما لا يعدّ إسرافا، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال، وحد الإسراف تضييع حقوق هي أولى من تجميل الطريق، أو المبالغة عن الحدّ المطلوب، إلا أنّ التجميل في مجمله أمر مرغوب، ورقي حضاريّ.

والفقهاء شددوا في نظافة الطريق، فإلحاق الوسخ فيه من الأذى المنهي عنه، وإزالته دليل على إيمان المؤمن ، يقول أبو حامد الغزالي في منكرات الشوارع: وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت، ويلوث الطريق بالدم، فإنّه منكر يمنع منه، بل حقه أن يتخذ في دكانه مذبحا، فإنّ في ذلك تضييقا بالطريق وإضرارا بالناس بسبب ترشيش النجاسة، وبسبب استقذار الطباع للقاذورات، وكذلك طرح القمامة على جوانب الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر، كلّ ذلك من المنكرات، وكذلك إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة فإنّ ذلك ينجس الثياب، أو يضيّق الطريق، ولا يمنع في الطرق الواسعة إذ العدول منه ممكن ... وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه، وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق، وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه، وإن كان يضيّق الطريق ببسطه ذراعيه فيمنع منه، بل يمنع صاحبه أن ينام على الطريق، أو يقعد قعودا يضيّق الطريق؛ فكلبه أولى بالمنع. والأصل في هذا قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)، بجانب التطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في رفع الأذى عن طريق المسلمين، ومنه حديث الربيع: (ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم)، وعليه كلّ من أحدث أذى في طريق المسلمين فهو ضامن لما يترتب عليه كما قررناه، قال درويش المحروقي: (واحذر يا أخي –عافانا الله وإياك من كلّ مكروه- أن تتعرض لفعل ما يضرّ في طرق المسلمين، ولا تحدث فيها حدثا أبدا مما يقذي العين، ويؤذي المارين ... فجميع ما ذكرته –أي مؤذيات الطرق- لا يجوز إحداثه على الطريق، ومأخوذ له بإزالته من موضعه، وضامن واضعه مما تولد منه من الضرر على من مرّ في الطريق، من مجنون وعاقل، وصغير وكبير، وينكر ذلك على من فعله).
كذلك بين الفقهاء من المؤذيات التغوط في طريق الناس لحديث: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان، قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلّهم، ويدخل في الإيذاء في التطبيق المعاصر السيارات التي يقطر منها الوقود، أو تبعث دخانا كثيفا في الهواء، فتؤذي المارة، ومنها استخدام المنبه العالي الصوت، أو التوقف المفاجئ، أو المرور السريع بمحاذاة المشاة، أو التفحيط، ومنها الصلاة والجلوس فيه، وغير ذلك مما لا يخفى على العقلاء.

ومن خلال هذا المبحث أدركنا التطبيقات المعاصرة لأدبيات الطريق، ونظائرها في الفقه الإسلامي، وكلها تنبثق من مشكاة كليات القرآن الكريم، والتطبيقات العملية للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي جعل الأوائل يلتزمون به إدراكهم أنّ التقيد بأدبيات الطريق جزء من إيمانهم بالله تعالى، ومسؤولون عنها يوم يلقون ربهم.

البعد العقدي

وجاء المبحث الرابع في آداب الطريق والبعد العقدي ويقول فيه: تعاني المجتمعات البشرية اليوم من حرب دامية، تتمثل في الحوادث المرورية المرعبة، فزادت معدلات التثقيف، وارتفع مستوى الدورات والإحصاءات، وأصدرت الكتب والمطويات، ومع ذلك لم يؤثر ذلك في وقف هذه الحرب المستعرة، بل الوفيات في ازدياد، فضلا عن الإصابات والخسائر البشرية والمادية.
وهنا نطرح هذا السؤال: لماذا لم تجد كل عوامل التثقيف - مع التشديد في العقوبات المالية - في التخفيف من هذا الموج المتلاطم من حوادث السير؟

والسبب في ذلك يعود إلى تغييب البعد العقدي الرباني من هذه العوامل التثقيفية، فأصبحت مادية بحتة لا روح فيها، لذلك تلقاها المجتمع، خاصة في العالم النامي، على أنها ثقافة عامة يحسن التقيد بها، فكان الالتزام بها من قبل فئة محدودة من المجتمع لا غير.

وآداب الطرق في الإسلام ليست ثقافة عامة فحسب؛ بل هي فريضة شرعية، شأنها كشأن الصلاة والصيام والزكاة، والطاعة فيها طاعة واجبة كطاعة الوالدين، ومخالفتها معصية موبقة كسائر المعاصي.

والله تعالى في كتابه الكريم لم يفرق بين الإيمان والعمل في كثير من المواضع نحو قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وقوله: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.)

فالجزاء يوم القيامة مرتبط بين الإيمان والعمل الصالح، وبهما يكون الثواب والعقاب، ولا شك أنّ العمل الصالح لا ينحصر في شعائر معينة؛ بل يعم ممارسات الإنسان في هذه الحياة، فبعضها بينها الله تعالى، وبعضها أجملها في كتابه وبين كيفيتها النبي عليه الصلاة والسلام، والأخرى تركها للإنسان يعمل فيها عقله، لأنّها تتجدد بتجدد الزمان والمكان، لذا كانت الطاعة تشمل الجوانب الثلاثة: طاعة الله، وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر من العقلاء بما يتوافق مع طاعة الله تعالى ورسوله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا.)

فإذا أنزلنا هذا إلى أنظمة السير وقواعده، نجد هذه الأنظمة منها ما بينها الله تعالى إجمالا، ووضحها الرسول الكريم، ومنها ما استجدت بتطور الآلة وطرق السير، لذا كان التقيد بالأنظمة الحديثة داخلة في طاعة الله والرسول، وكما أنّه لا يجوز أن يخالف الإنسان أمر الله والرسول؛ كذلك لا يجوز له أن يخالف هذه الأنظمة والقوانين، وإلا ارتكب معصية ومحظورا.

ليس بعدا دنيويا تثقيفيا

والبعد في قوانين السير وأنظمته من المنظور القرآني ليس بعدا دنيويا تثقيفيا، بل هو بعد أخروي، فالثواب مرتبط بهذه الطاعة، كما أنّ العقاب مرتبط بها، فهي داخلة في دائرة الطاعة والمعصية.

لذا كان يجب أن يغرس في الأجيال البعد العقدي لهذه الأنظمة، فهي جزء من عباداتهم وتشريعاتهم، فكما يجب أن يحافظوا على خمس صلوات في اليوم والليلة، وعلى صيام شهرهم في العام، وعلى طاعتهم لوالديهم، وعلى زيارتهم للأرحام؛ فكذلك يجب أن يحافظوا على آداب السير، ويجب أن يتقيدوا بقوانينه وأنظمته.

وكما يجب أن يبتعدوا عن الدخان والخمور والكذب والفجور؛ فكذلك يجب أن يتركوا الاستهتار بهذه الأدبيات؛ لأنّ المعصية تعمهما جميعا في دائرة واحدة.

فدائرة الطاعة والمعصية لا تنحصر في تشريعات معينة؛ بل مجالهما أوسع بكثير، يدركها العاقل اللبيب بكل سهولة ويسر.

فالبعد العقدي كفيل بأنّ يعالج هذه القضية إذا أعطي حقه من العناية والاهتمام، إعلاميا وتربويا، ولم يهمش في دائرة التثقيف والتربية، وستجد المجتمعات أثر ذلك عما قريب بإذن الله إن أدركت أهميته، واهتمت به اهتمامها بالطريق ذاته، وما يترتب عليه من أدبيات ونظم.

 

        

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (3 منشور)

avatar
2012-10-25 22:04:31
اعجبنى كل ما كتبتوه عن اداب الطريق واتمنى لكم دوام التوفيق والنجاح
avatar
2012-11-05 17:14:53
شكرا
avatar
2012-11-05 17:14:11
ابحاث جميلة
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2
  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

آخر أخبار الموقع

النشرة الإخبارية

قيم هذا المقال

5.00

المزيد في الدراسات والبحوث