حقوق الطريق


 

   الْحَمْدُ للهِ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونؤمن به ونتوكل عليه ، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وَأشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ ، وَأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، البشير النذير والسراج المنير، -صلى الله عليه وسلم-   وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، ذوي الفضل العلي، والشرف الكبير، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

   أَمَّا بَعْدُ : فَيَا عِبَادَ اللهِ : اتقوا الله ، وعظموا أمره ، واشكروا نعمه ، وأعظم هذه النعم وأجلها، الهداية لهذا الدين ((بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ))(1).

   أيها المسلمون :

   إن شرائع الإسلام استوعبت شتى جوانب الحياة وشئونها ونظمت كل ما يعرض للمرء من مهده إلى لحده لم تدع مجالاً في السلوك العام أو السلوك الخاص، إلا جاءت فيه بأمرِ السداد والرشاد، ومن هنا فلا غروَ أن تشمل توجيهات الإسلام وأحكام الشريعة تنظيم المجتمع أفراده ومجموعه، وإنَّ مما يظهر فيه شمول هذا الدين ، وجلاء حكمه وأحكامه، ما أوضحه الكتاب والسنة، من آداب الطريق  ومجالس الأسواق وحقوق المارّة ، وأدب الجماعة جاء في محكم التنزيل: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)) (2) ، وقال سبحانه : ((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)) (3) ، وقال جل شأنه: ((وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)) (4) ، وفي السنة المطهرة من حديث إبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال : (( إياكم والجلوس في الطرقات قالوا يا رسول الله، ما لنا بدُّ من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  : فإذا أبيتم إلا المجلسَ فأعطوا الطريق حقه، قالوا : وما حقه ؟ قال : غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) .

   عِبَادَ اللهِ :

    إن مصادر الشريعة عنيت بأمثال هذه النصوص مؤكدة هذه الحقوق ، ومرشدة إلى هذه الآداب ، فعباد الرحمن الذين يمشون في الطريق هونا ، لا تصنع في مشيتهم ولا تكلف ولا كبر ولا خيلاء ، مشية تعبر عن شخصية متزنة ، ونفس سوية مطمئنةٍ، تظهر الوقار والسكينة ، والجد والقوة ، من غير تماوت أو مذلة ، تأسيا بالقدوة الأولى محمد -صلى الله عليه وسلم-  فهو غير صخاب في الأسواق وحين يمشي أسرع الناس مشية وأحسنهم وأسكنهم، أما خفض الصوت فهو من سيما أصحاب الخلق الرفيع لا سيما في الطريق،كما  إنه عنوان الثقة بالنفس ، وصدق الحديث ، وقوة الحجة ، يصاحب ذلك حلم وصفاء، وإعراض عن البذيء من القول ، والفحش من الحديث ، تجنباً لحماقة الحمقى، وسفاهة السفهاء.

   ويضم إلى ذلك ـ إيها المسلمون ـ غض البصر، فذلك حق لأهل الطريق من المارة والجالسين ، حفاظا على حرماتهم وعوراتهم، فالنظر بريد الخطايا، وإنك لترى في الطرقات والأسواق من يرسل بصره محمّلاً ببواعث الفتنة ، ودواعي الشهوة، وقد يتبع ذلك بكلمات وإشارات قاتلة للدين والحياء مسقطة للمروءة والعفاف ولذلك يخاطب الحق سبحانه المؤمنين بقوله: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ))(5).

   عِبَادَ اللهِ :

   إنّ كف الأذى عن الطريق من أبرز الحقوق ، والأذى كلمة جامعة لكل ما يؤذي المسلمين من قول وعمل ، يقول ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس )) ، وحينما طلب أبو برزة ـ رضي الله عنه ـ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  أن يعلمه شيئاً ينتفع به قال: (( أعزل الأذى عن طريق المسلمين )) ، وإذا كان هذا الثواب العظيم لمن يكف الأذى فكيف تكون العقوبة لمن تعمد إيذاء الناس في طرقاتهم ومجالسهم ، ويجلب المستقذرات ، وينشر المخلفات في منتزهاتهم وأماكن استظلالهم ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-  أنه قال: (( اتقوا اللاعِنَين ؟ قالوا وما اللاعنان يا رسول الله ؟ قال : الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلتهم )) .

   أما إفشاءُ السلام ـ أيها المسلمون ـ إبتداءً وردا ، فأدب كريم يتخلق به أبناء الإسلام، وحق يحفظونه لإخوانهم ، يغرس المحبة ، ويزرع الألفة ، ويمحو الأحقاد، ويزيل الإِحن ، ويستجلب به رضا الله وغفرانه (( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا )) (6) ، ومن آداب الطريق أن تهدي ابن السبيل الضال بعبارة ملؤُها الأدب ، وإشارة كلُّها لطف ورقة ، من غير فظاظة ولا ملل ، لا تقول هجراً ولا تنطق فحشا ، والبشاشة والتبسم في وجة أخيك من الصدقات ، ومن آداب الطريق أيضا أن تعين صاحب المتاع في رفعه ووضعه ، وإن كنت تحمل شيئا فأحذر أن تصيب أحداً بأذى ومن حق الطريق أن تفض النزاع بين المتخاصمين ، وتصلح ذات البين ، وتحفظ اللقطة ، وتدل على الضالة ، تعين على رد الحقوق لإصحابها ، وترفع لسانك عن أعراض المسلمين ، تأخذ على أيدي الظالمين في رفق وأدب ، لا تتعرض لأحد بمكروه ، ولا تذكر أحداً بسوء ، لا تهزأ بالمارة ولا تسخر من العابدين ، لا تشر ببنان ، لا تسطل بلسان لا تحتقر صغيرا ، ولا تهزأ من ذي عاهة ، وإياك والجلوس في مضايق الطريق ، وملتقى الأبواب ، ومواطن الزحام .

   أيها المسلمون :

   إن من لم يعط الطريق حقه يتبع نفسه هواها ، ويريد أن يملأ عينه بمناها ، فيذل بعد عزِّ ، ويفسق بعد عفة ، إن هذه المواطن إن لم تزرع فيها آداب الإسلام ، فهي مرتع خصيب للغيبة والنميمة والسخرية والكذب والإفك المبين .

   فاتقوا الله ـ عِبَادَ اللهِ ـ والتزموا بآداب الطريق بصون اللسان وغض البصر وحفظ الأعراض ومساعدة المحتاج وإرشاد الضال وإصلاح ذات البين .

   أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ  لي وَلَكُمْ ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ   إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ،  وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ  إِنهُ هُوَ  البَرُّ الكَرِيْمُ .

   *** *** ***

   الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ  لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ  عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ .

   أَمَّا بَعْدُ : فَيَا عِبَادَ اللهِ :

   فاتقوا الله ـ عِبَادَ اللهِ ـ واعلموا أن من أهم الآداب وأكرم الأعمال حال خروجك من بيتك ومشيك في الطرقاتِ الأشتغالُ بذكر الله كثيرا ، ففيه الانبعاث إلى الخيرات ، والعون على الطاعات ، والقيام بالحقوق ، وحفظ النفس من الشيطان ، ولا ينبغي أن يغفل المسلم عن الدعاء المأثور عند خروجه من منزله (( اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ أو أَزلَّ أو أُزلَّ أو أظِلم أو أظلَم أو أجهلَ أو يجهل علىّ)) ، والمرأة إن إحتاجت إلى الخروج تخرج محتشمةً في لباسها ، حيَّةً في مشيتها ، بعيدة عن حركات الريبة ، ومواضع التهم ، غير متعطرة ولا متلفتة ، سريعة العودة إلى منزلها بعد قضاء حاجتها ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)) (7).

   فاتقوا الله -أيها المسلمون- والتزموا بآداب دينكم ، واحفظوا حقوق إخوانكم، وراعوا آداب الطريق كما وضحها لنا سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

(1) سورة الحجرات / 17 .

(2) سورة الفرقان / 63 .

(3) سورة القصص / 55 .

(4) سورة الإسراء / 37 - 38 .

(5) سورة النور / 30 .

(6) سورة النساء / 86 .

(7) سورة النور / 31 .