حياتكم نعمة فحافظوا عليها


 

الْحَمْدُ للهِ الذي أمرنا بطاعته ونهانا عن معصيته، وأوصانا بأداء الأمانات وصون الحرمات والوفاء بالحقوق والواجبات، وَأشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ  وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أمرنا بأن نعطي الطريق حقه لنحقق له أمنه ونحفظ له حرمته، -صلى الله عليه وسلم-  وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَعَلَى كُلِّ مَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ ، وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

   أَمَّا بَعْدُ : فَيَا عِبَادَ اللهِ :

   خلق الله سبحانه الإنسان بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وسخر له كونه، وساق إليه رزقه، واسبغ عليه نعمه ((أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)) (1) ، ولا يمكن أن يحقق الإنسان أهدافه ويدرك آماله إلا إذا ضمن حياة آمنة وعيشا ناعما، فالحياة منحة إلهية ومنة ربانية لا ينبغي لأحد أن يعتدي عليها أو أن يسيء إليها، بل العدوان على حياة فرد واحد بدون حق عدوان على المجتمع كله كما قال الله سبحانه: ((مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً)) (2) ، فالمؤمن الصادق يشعر بهذا الحق وهذه الحياة وأنه إذا أخل بحقوق الدماء فقد استهزأ بحياة الأمة، ومن استهزأ بحياة الأمة ولم يحترم أكبر حقوقها ولم يبال بما يقع فيه الناس من الخطر فقد هدم ركنا من أركان الإيمان فهي علامة على ضعف إيمانه ولقد ذم الحق سبحانه شناعة هذا الفعل في الأمم الماضية قال تَعَالَى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ)) (3) ، ثم قال سبحانه: (( فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )) (4) ، ولذلك فإن كل عمل يؤدي إلى هلاك النفس وضياع الروح فهو مفسدة ذميمة وجريمة أليمة فعن أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  قال: ((لا يشيرُ أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار)).

   عِبَادَ اللهِ :

   لقد أمر الإسلام بالمحافظة على الأموال حتى ينتفع الإنسان بأسباب الحياة، فإن مما لا شك فيه ولا خلاف عليه أن المرافق العامة التي تفي بحاجات الأمة المختلفة ينبغي رعايتها ويجب تنميتها قال الله سبحانه: ((وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) (5) ، بل يحرم إفسادها ويذم إهمالها ((وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) (6).

   أيُّهَا المُسْلِمُونَ :

    جاء عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - عن النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال: ((إياكم والجلوس في الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد، نتحدث فيها فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  : فإذ أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام)) ، لقد اشتمل هذا الحديث على جملة من الإرشادات الكريمة التي تعد قاعدة لآداب المرور الحديثة إذ الطريق حق شائع ينبغي أن ينتفع به كل سائر ولا يتحقق هذا إلا بمعرفة الحقوق والواجبات كما بين أهل الخبرة من الثقات القائمين على هذا العمل لئلا يقع شيء من المحذورات قال تَعَالَى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )) (7) ، وإن من قواعد المرور التي يجب مراعاتها وينبغي اتباعها أن لا يقود المرء مركبته أو يحرك حافلته دون أن يتأكد من صحتها ويتبين قوتها، ولا يفوتن أن يضع حزام الأمان، وأن يسير باطمئنان فلا يسابق الزمان وليذكر نفسه بنعمة ربه (( سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ )) (8) ، وينبغي أن يكون نظره صحيحا وبدنه سليما، كما يجب عليه أن يحافظ على طريقه فلا يشتغل بالحديث مع رفيقه، ولا يتكلم في هاتفه، فإن ذلك من رعايته لأمانته قال الله سبحانه: (( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ )) (9).

   عِبَادَ اللهِ :

   إن صيانة الطرقات باتباع الإرشادات لا تقع فقط على عاتق أصحاب السيارات أو قائدي المركبات بل يشاركهم في المسؤولية ويقاسمهم في التبعية المشاةُ على الأقدام الذين يقطعون الطرقات ويزاحمون السيارات دون أن يراعوا ما وضع من علامات وهذا مخالف لوصايا القرآن (( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ )) (10)، فللمشاة مكان يعبرون منه، وزمان يمشون فيه ولهذا المكان وذلك الزمان علامة واضحة وإشارة بارزة لئلا يقع المحذور بمخالفة آداب المرور والله يقول: ((وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)) (11).

   فاتقوا الله - عِبَادَ اللهِ -، وحافظوا على سيركم باتباع قواعد مروركم تدركوا سعادة دنياكم وآخرتكم.

   أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

   *** *** ***

   الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ  أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ  وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ  عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ .

   أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :

   كم في المستشفيات من حبيس علته من أثر سرعته؟ وقعيد مصيبته من جراء رعونته؟ يذرف دموع ندمه بعد أن نزف دماء بدنه قال تَعَالَى: (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )) (12) ، فكم من الأرواح ذهبت ومن الدماء سالت ومن الأعضاء قطعت بل كم من الأطفال تيتمت ومن النساء ترملت ومن الأسر تشردت من جراء حوادث وقعت كان يمكن استدراكها باتباع قواعد المرور أوليس هذا قتلا للنفس التي حرم الله؟ بماذا يدافع صاحبها عن نفسه إذا سئل يوم القيامة عن جرمه؟‍! يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  : ((من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته بيده يجأ ـ أي يطعن ـ بها بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) ، قال تَعَالَى: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )) (13).

   فتفكروا - عِبَادَ اللهِ -، في هذه التعاليم الربانية واستمسكوا بهدي نبيكم تحفظون للأوطان حقوقها وتصونون كرامتها وتعملون على استتباب أمنها.

(1) سورة الملك / 14 - 15 .

(2) سورة المائدة / 32 .

(3) سورة البقرة / 84 - 85 .

(4) سورة البقرة / 85 .

(5) سورة سبأ / 39 .

(6) سورة الأعراف / 85 .

(7) سورة النساء / 59 .

(8) سورة الزخرف / 13 - 14 .

(9) سورة المعارج / 32 .

(10) سورة لقمان / 18 - 19 .

(11) سورة الإسراء / 37 - 38 .

(12) سورة الشورى / 30 .

(13) سورة فصلت / 46 .